وصفي خوشمان
عمان – في منزل يتربع على تل مجاور للدوار الرابع، تعود بك الذاكرة إلى ما قبل ثمانين عاما، وعندما تلج باب منزل يشبه الغالبية من بيوتات الأردنيين، تقابلك مجموعة من صور ذكريات عفا عليها الزمان، وأثاث طالما كان شاهدا على نقاشات في سبيل مصالح الوطن.<?xml:namespace prefix = o ns = “urn:schemas-microsoft-com:office:office” />
في دارة رئيس الوزراء السابق أحمد اللوزي الذي يقابلك بابتسامة عريضة مقرونة بعبارة “يا هلا”، ويرتدي هنداما رسميا بكامل القيافة كما “اعتاد منذ انضمامه السلك الحكومي قبل نصف قرن”، كما يقول أبو ناصر. تعطر المكان رائحة قهوة عربية، تنقلك إلى عالم من الأصالة والتاريخ الذي قلما نحس به هذه الأيام.
ولد أحمد عبد الكريم اللوزي عام 1925 في بلدة الجبيهة التي “أصبحت مدينة الآن”، يبتسم ثم يتابع “نشأت في بيئة تجمع في معيشتها بين الزراعة وتربية الضأن، في الصيف نسكن الجبيهة وفي الشتاء نشد الرحال إلى الغور أو إلى البادية طلبا للدفء”.
ويضيف بصوته الهادئ “عائلتنا كانت مكونة من خمسة أشقاء وثلاث شقيقات، كنا متعاضدين ومتكافلين حازمين من غير صرامة وجبروت، فوالدتي مجتهدة في التحطيب والتنظيف وتحضير الطعام، ووالدي مجتهد في الزراعة والاهتمام بما لدينا من أغنام، والكل مشغول بعمله، وربيانا على أتم وجه رغم الفقر.”
“والدتي كانت من عشيرة العدوان من شفا بدران، في زمن كان زواج الأقارب فيه هو السائد”، “عانينا من الجوع والعطش والبرد، وكان طموحنا رغيف خبز بلبن أو بزبدة، لكن القناعة كانت دائما موجودة”.
يضحك ثم يقول “في أحد الأيام بعد أن تزوجت وأخوتي وأخواتي، دعانا أبي للغداء، وعندما تجمع أبناؤه وأحفاده، اقترب مني سائق العائلة وسأل: كم زوجة للحاج عبد الكريم؟، فقلت: واحدة هي أمي، فرد السائق: إذاً لوكان عنده زوجة ثانية لكان احتل صويلح. “
يصف مجتمعه آنذاك بأنه مجتمع “اشتراكي”، و”الكل سواسية”، “عندما يقوم أحد القوم بعزيمة؛ يأتي كل المحيطين دون دعوة، فما دام أوقد نارا فبيته حق للجميع”.
وحتى سن ثماني سنوات عاش أحمد اللوزي مع ذويه دون افتراق يسكن حيث يسكنون ويرحل وقت يرحلون، إلا أن “حب العلم والمعرفة ناداه فلبى”، يقول أبو ناصر “عندما بلغت من العمر ثماني سنين، التحقت بكتاتيب لشيوخ ثلاثة من مصر ومن عشائر الشركس والشيشان، وبعد عام سجلت في مدرسة صويلح الابتدائية التي لم يكن غيرها في المنطقة، وكانت عشائر صويلح وشفا بدران والبقعة وعين الباشا وماحص وصافوط والفحيص جميعها تصب في هذه المدرسة، وكان فيها معلم واحد هو سامي أيوب الذي أصبح وزيرا للزراعة فيما بعد، وهو خريج مدرسة خضوري الزراعية في طولكرم، وانضم بعد ذلك إلى كادر المدرسة عبد الحافظ جاسر وعبده التل”.
“بقيت في هذه المدرسة خمس سنوات”، ويتابع “وبعد تخرجي منها عام 1938، انتقلت إلى عمان”.
ومن ذكريات صويلح، يقول رئيس الوزراء السابق، الذي غزا الشيب رأسه كاملا، “طلب الأستاذ سامي أيوب مني قصيدة للكشافة، وكان عمي محمد علي اللوزي شاعرا نبطيا، فكانت هذه القصيدة: “
كشاف الأردن نبتدي… بذكر الواحد الديان
وبمحمد نقتدي… الهاشمي ولد عدنان
أميرنا يالعبدلي… أمير من نسل كرام
عمن عاداك نعتدي… برواحنا نفدي الأوطان
بنور الحق نقتدي… عرب شراكس مع شيشان
“وحدة وطنية” يضحك فخورا بذاكرته القوية التي ما زالت تحفظ هذا الشعر منذ نحو سبعة عقود، “أعجب الأستاذ بهذه القصيدة أيما إعجاب لبساطة القصيدة وبلاغتها، وكنا نغنيها غناء هجيني، وأعجب بها الأمير عبد الله الأول كثيرا”.
ويصف أبو ناصر انتقاله من قرية صويلح حينذاك “الهادئة الوادعة” إلى مدينة عمان بـ”صخبها واختلاطها”، وانضمامه إلى المدرسة العسبلية الثانوية الوحيدة آنذاك وسميت بالعسبلية نسبة إلى مؤسسها أحمد العسبلي وهو من حاشية الأمير عبد الله الأول، وكان موقعها بجانب المدرج الروماني وبالقرب منها الديوان الأميري وفندق فيلادلفيا”، ويتنهد “هدم الفندق والمدرسة وهدم الديوان الأميري فيما بعد عام 1949 بعد انتقال الملك عبد الله الأول إلى قصر بسمان الزاهر”.”
“انتقلت إلى السلط عام 1944″ لدراسة الثانوية في مدرستها العريقة، لم يكن حينئذ إلا مدرسة ثانوية واحدة في الأردن، وكان يؤمها أبناء اربد والكرك وعمان والجنوب للدراسة فيها، وسكنت أنا وابن عمي حلمي اللوزي (الذي تدرج في القوات المسلحة فيما بعد حتى وصل إلى رتبة فريق كما أصبح سفيرا في العراق)”.”
ويعصر أبو ناصر ذاكرته ويعدد رفاق المدرسة “عمر دخقان وكامل المفتي وسعيد بينو وعلي خصاونة معين التل ومريود التل وكمال الشاعر وكمال المشيني “ وجمال الصناع، سليمان المشيني، هاشم مسمار وأحمد فوزي المغربي وأديب فاخوري ومحمد نمر وهبة وعبد الله الصعوب وفايز المبيضين جودت المحيسن وتوفيق الحياري.
“ذكرياتي في السلط جميلة، كانت تجربة جديدة ولا أكتمك إن قلت إن أول ما أحسسته في يومي الدراسي الأول في مدرسة السلط هو أنني في كلية جامعية، بسبب مستوى الطلبة والمعلمين وأجواء المنافسة الشديدة، ودرجة الوعي العالية عند الطلاب”.
“عندما أكملنا الرابع الثانوي (التوجيهي) تقدم إلى الامتحان 72 طالبا في عام 1946، لم ينجح أكثر من 30 طالبا، إلا أن جميع الناجحين قبلوا في الجامعات السورية والعراقية واللبنانية، دون أي إعاقة بسبب سمعة المدرسة العالية”.
يتفكر أحمد اللوزي في هذه الجملة، ويقول “انظر إلى هذه الثورة التعليمية البيضاء، في عام الاستقلال كان عدد طلاب التوجيهي 72 طالبا فقط، واليوم هناك نحو 120 ألف طالب، كيف كنا وأين أصبحنا”.
وما زال يذكر أساتذته في تلك المرحلة، حسن البرقاوي وجريس القسوس، وخليل السالم.
بعد النجاح في الثانوية، قبل أحمد اللوزي في كلية دار تدريب المعلمين في بغداد قسم آداب، وذهب مع أكثر من عشرين شابا أردنيا.
“عملت معلما في المدرسة التي تخرجت منها عام 1950 وانضممت إلى ذوقان الهنداوي ومحمد نوري شفيق وعلي خريس”.
ويبرر أحمد اللوزي ما وصل إليه “كنت مدفوعا بالتحدي للخروج من حياة الفقر، كنا عشرة أفراد في الأسرة، وكان أبي يقتر على أخوتي لتدريسي وأخي سالم (مدير منظمة التنمية الزراعية في العالم العربي بالخرطوم)، باختصار أنا تعلمت وأخي على حساب تضحيات عائلتي”.
“عملت معلما لعام واحد في السلط ونقلت بعدها إلى كلية الحسين في عمان، وتزاملت مع محمد نوري شفيق ومحمد نجاتي البخاري، وابراهيم نسيبة ورشيد زيد الكيلاني وعبده هاشم”.
ويضحك اللوزي طويلا عندما يذكر صديقه محمد نجاتي البخاري الذي أضحى شاعرا بعد زواجه عريب بنت الشاعر ابراهيم طوقان، يقول “سألت “ جعفرا إبن الشاعر الكبير: الكل يعلم أن ملكة الشعر قد تنتقل عبر الوراثة، فمالي أراها تنتقل بالمصاهرة؟” “
في عام 1953، دخل أحمد اللوزي سلك الديوان الملكي مساعدا لرئيس التشريفات الملكية آنذاك كمال الحمود، ثم أصبح رئيسا للتشريفات الملكية ثم ومديرا للمراسم في وزارة الخارجية ثم عضوا في مجلس النواب في عام 1963 أصبح مساعدا لرئيس الديوان الملكي الهاشمي، وحمل لقب معالي لأول مرة في حكومة بهجت التلهوني عام 1964 وزير دولة لشؤون رئاسة الوزراء، إلى أن أصبح عينا بعدها بعام واحد.
يقول اللوزي “في عام 1965، أصبحت أصغر الأعيان سنا، بعد انتقال محمد علي الجعبري إلى بلدية الخليل وشغر مقعده في المجلس فعينت مكانه، وبقيت عينا حتى عام 1978، إذ استقلت بعد تعييني في المجلس الوطني الاستشاري ثم عدت إلى الأعيان حتى أصبحت رئيسا للديوان الملكي الهاشمي، وفي عام 1984 عدت عينا حتى استقالتي عام 1997 بعد 47 عاما من الخدمة الحكومية”.
في عام 1971، شكل أحمد اللوزي حكومته الأولى بعد استشهاد رئيس الوزراء السابق وصفي التل في القاهرة، يصف أبو ناصر لقاءه الأخير بوصفي “ودعه جلالة الملك المغفور له الحسين في المطار، وكنت موجودا بصفتي وزيرا للمالية والشخص الثالث في الحكومة، قال لي وصفي: (والله يا أخي بنشرنا بس أرجع بدي أستقيل)، ولم يرجع أبدا”.
ولا يغير أحمد اللوزي أسلوب حياته، يقول “أنا على طبيعتي منذ كنت معلما وحتى أصبحت رئيسا لمجلس الأعيان لأكثر من 13 عاما، أستيقظ صباحا وأحلق ذقني وألبس هندامي، حياتي رتيبة هادئة ولكني أشعر بلذة خارقة”.
ويتابع “أنا جاد في حياتي، ولكني أعطي عائلتي حقها منذ كنا نذهب الجمعة إلى القدس وأريحا ونابلس وجنين وبيت لحم والبحر الميت”، “أيام كانت الحدود مفتوحة”.
واللوزي يعتبر الكتاب حبيبه، ودائما يستشهد بقول الشاعر أبو الطيب المتنبي “اعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب”.
“الانسان بلا كتاب ينفصل عن ذاته، فالكتاب غذاء الروح والعقل والفكر”، يقول اللوزي.
وللقرآن مكانة خاصة عند اللوزي، الذي يصر على قراءة آيات عطرة من كتاب الله قبل أن يستسلم للنوم.
أكثر ما هزه على مدى السنوات الماضية، استشهاد الملك عبد الله الأول يقول “كنت استمع إلى الإذاعة في ذلك اليوم الصيفي وسمعت صوت طلقات الرصاص التي اغتالته”، ثم جاء انقلاب بغداد الدموي واستشهاد ابراهيم هاشم وسليمان طوقان اللذين كانا في حكومة الاتحاد العربي الهاشمي الوليدة، ثم التفجير الإرهابي الذي استهدف رئيس الوزراء هزاع المجالي، كما أن اغتيال رئيس الوزراء وصفي التل كان مؤثرا في نفس اللوزي إلى اليوم.
“هؤلاء الشهداء”، يقول اللوزي بمرارة، “دفعوا حياتهم ثمنا للدفاع عن الأردن وسيادته ورسالته القومية الهاشمية”، ويتابع “لقد مرت على شعب الأردن أحداث ما كان سيصمد لولا قوة إيمانه وإرادته، لكن كل ما حدث ما زادنا إلا اندفاعا وقوة وإيمانا”.
وعندما تسأل “كيف يعيش الآن أحمد اللوزي؟”، يأتيك الجواب “أنا أعيش الآن حالتين متلازمتين: الإيمان والتفاؤل”.